فصل: ذكر السنة الخامسة من الهجرة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التنبيه والإشراف (نسخة منقحة)



.ذكر السنة الخامسة من الهجرة:

سنة الأحزاب، ثم غزوته صلّى الله عليه وسلّم لعشر خلون من المحرم في ثمانمائة إلى الموضع المعروف بذات الرقاع، وهو جبل قريب من النخيل مما يلي السعد والشقرة مختلفة ألوانه فيه بقع حمر وبيض وسود- وقيل إنها إنما سميت غزوة ذات الرقاع لكثرة الرقاع في الرايات، فأجفلت العرب من بين يديه، ولحقوا برءوس الجبال وبطون الأودية قال المسعودي: وفي هذه الغزاة صلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلاة الخوف لقرب العدو منهم، وإشرافهم عليه على ما في ذلك من تنازع في وصفها وكيفيتها بين فقهاء الأمصار وغيرهم، من السلف.
وعاد إلى المدينة وكان استخلف عليها عثمان بن عفان، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة ثم غزوته صلّى الله عليه وسلّم دومة الجندل، وهي أول غزواته للزوم، وبين دومة الجندل وبين دمشق خمس ليال، وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة، وقيل ثلاث عشرة وكان صاحبها- أكيدر بن عبد الملك الكندي- يدين بالنصرانية، وهو في طاعة هرقل ملك الروم، وكان يعترض سفر المدينة وتجارهم، فبلغ أكيدر مسيرة فهرب، وتفرق أهل دومة الجندل وصار إليها فلم يجد بها أحداً، فأقام أياماً وعاد إلى المدينة، وكان استخلف عليها ابن أم مكتوم وفي هذه السنة وادع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري.
ثم غزوته صلّى الله عليه وسلّم لليلتين خلتا من شعبان، بني المصطلق بن سعد بن عمرو- وهو خزاعة ومنه تفرقت بطونهم- ابن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، وإنما سموا خزاعة بانخزاعهم من جملة الأزد إلى بطن مر عند مسيرهم من مأرب، وفي ذلك يقول شاعرهم:
ولما هبطنا مر تخزعت ** خزاعة منا في حلول كراكر

وكانوا على ماء لهم يعرف بالمريسيع بطريق الفرع، والفرع على ثمانية برد من المدينة فناجزهم فانهزموا، فقتل وأسر وسبى الذراري والأموال، فكان في السبي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار رئيس بني المصطلق، وكانت صارت لبعض الأنصار فكاتبها، فأدى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتابتها وتزوجها، فتعق الناس بقية السبي ببركتها، وعاد إلى المدينة، وكان قد استخلف عليها زيد بن حارثة مولاه. وكانت غيبته ثمانية عشر يوماً.
وفي هذه الغزاة فقد عقد عائشة، وقال فيها أهل الإفك ما قالوا وهم: مسطح ابن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف، وهو ابن خالة أبي بكر، وكان في عياله- وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرم بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار- وهو تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج- وعبد الله بن أبي بن سلول، وهو الذي تولى كبره منهم، وحمنة ابنة جحش ابن رئاب.
والذي ذكروه صفوان بن المعطل السلمي، وكان صاحب الساقة في تلك الغزاة، فلما أنزلت براءتها جلدهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمانين جلدة، إلا عبد الله بن أبي بن سلول فإنه لم يجلده، وفي ذلك يقول عبد الله بن رواحة، وقيل كعب بن مالك:
لقد ذاق حسان الذي هو أهله ** وحمنة إذ قالوا هجيراً ومسطح

تعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم ** وسخطة ذي العرش الكريم فأبرحوا

وفيها نزلت آية التيمم على ما في ذلك من التنازع بين الأسلاف والأخلاف في كيفية التيمم ثم غزوته صلّى الله عليه وسلّم الخندق، وهي غزوة الأحزاب؛ سارت إليه قريش وغطفان وسليم وأسد وأشجع وقريظة والنضير وغيرهم من اليهود، فكان عدة الجميع أربعة وعشرون ألفاً، منها قريش وأتباعها أربعة آلاف، معهم ثلاثمائة فرس، وألف وأربعمائة بعير قائدهم أبو سفيان صخر بن حرب، والمسلمون نحواً من ثلاثة آلاف، وذلك في شوال، وقيل في ذي القعدة فأشار سلمان الفارسي على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالخندق، فخندق وأقاموا محاصرين للمدينة يتناوشون ثم نصر الله رسوله، وهزم الأحزاب، وردهم بغيظهم لم ينالوا خيراً، واستخلف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على المدينة ابن أم مكتوم وقد تنوزع في مدة إقامتهم على الخندق؛ فمنهم من قال شهر، ومنهم من قال خمسة عشر يوماً، وقيل غير ذلك ثم غزوته صلّى الله عليه وسلّم قريظة من اليهود لمظاهرتهم قريشاً عليه، سار إليهم عند منصرفه من الخندق، وذلك لسبع بقين من ذي القعدة، وكانوا على بعض يوم من المدينة، فحصرهم خمسة عشر يوماً وقيل أكثر من ذلك، ثم نزلوا على حكم سيد الأوس سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد ابن عبد الأشهل فحكم بقتل مقاتلهم وسبي ذراريهم، وكان سعد رمي يوم الخندق بسهم فقطع أكحله فكانت لمآبه، فقتل من قريظة سبعمائة وخمسين رجلاً صبراً.
وعاد إلى المدينة، وكان استخلف عليها أبا رهم الغفاري كلثوم بن الحصين وتوفي سعد بن معاذ بعد رجوع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة وفي هذه السنة تزوج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زينب ابنة جحش بن رئاب الأسدية؛ أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وهي ابنة عمته أميمة بنت عبد المطلب ثم سرية أبي عبيدة بن الجراح الفهري فهر قريش، وهو عامر بن عبد الله ابن الجراح بن هلال بن وهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر ابن كنانة في ذي الحجة إلى سيف البحر.

.ذكر السنة السادسة من الهجرة:

سنة الاستئناس، ثم سرية محمد بن مسلمة الأنصاري في المحرم إلى القرطاء من بني أبي بكر ابن كلاب بناحية ضريّة، بموضع يقال له البكرات، وضرية على سبعة أميال من المدينة.
ثم غزوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بني لحيان من هذيل، وكانوا بالقرب من عسفان خرج إليهم لهلال ربيع الأول ثائراً بمن قتلوا من أصحابه بالرجيع فاعتصموا برءوس الجبال، وفيها بعث فيما قيل عمر بن الخطاب سرية إلى القارة، فاعتصموا بالجبال أيضاً، وبعث هلال بن الحارث المزني إلى بني مالك بن فهر فهربوا منه، وبعث بشر ابن سويد الجهني إلى بني الحارث بن كنانة فاعتصموا بغيضة فأضرمها عليهم فاحترقوا، فأنكر النبي صلّى الله عليه وسلّم ذلك ورجع إلى المدينة ولم يلق كيداً، وكان استخلف عليها ابن أم مكتوم، وكانت غيبته أربع عشرة ليلة ثم غزوته صلّى الله عليه وسلّم الموضع المعروف بذي قرد من طريق خيبر وهو على ليلتين من المدينة، وكان عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، أغار على لقاحه وهي بالغابة، وهي على بريد من المدينة أو أكثر.
فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم الأربعاء لأربع خلون من شهر ربيع الأول فاستنقذ بعضها وعاد إلى المدينة وكان استخلف عليها ابن أم مكتوم، وكانت غيبته خمس ليال ثم سرية سعد بن عبادة الخزرجي إلى الموضع المعروف بالغميم ثم سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى جبلي أجأ وسلمى ثم سرية عكاشة بن محصن الأسدي الغمر غمر مرزوق قال المسعودي. والغمر على ليلتين من فيد، طريق الكوفة وكان لبني أسد ثم سرية محمد بن مسلمة الأنصاري في شهر ربيع الأول إلى ذي القصة. وبين ذي القصة والمدينة عشرون ميلاً على طريق الربذة من جادة العراق إلى بني ثعلبة، وأناس من تغلب، وكان في عشرة نفر فقتلوا وهم نيام وأفلت محمد جريحاً ثم سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة أيضاً في شهر ربيع الآخر ثم سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم، والجموم من بطن نخل عن يسارها، وبطن نخل على أربعة برد من المدينة ثم سرية زيد بن حارثة أيضاً في جمادى الأولى إلى العيص، وهي طريق ذي المروة عن يمينها على ليلة منها مما يلي البحر، وهي على أربع مراحل من المدينة والطرف ماء قرب من المراض دون النّخيل، وهو على ستة وثلاثين ميلاً من المدينة على طريق العراق.
ثم سرية زيد بن حارثة أيضاً في جمادى الآخرة أيضاً، إلى جذام بحسمى وحسمى وراء وادي القرى مما يلي بلاد فلسطين من أرض الشأم.
ثم سرية زيد بن حارثة أيضاً في رجب إلى وادي القرى لاجتماع فزارة هنالك، فقامت بالحرب أم قرفة، فانصرف زيد راجعاً.
ثم سرية عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة ابن كلاب في شعبان إلى دومة الجندل.
ثم سرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى بني سعد بفدك، وبين فدك وبين المدينة نحو من خمس ليال.
ثم سرية زيد بن حارثة في شهر رمضان إلى أم قرفة، وهي فاطمة ابنة ربيعة ابن زيد الفزارية، وكانت بنواحي وادي القرى على سبع ليال من المدينة، فهزم فزارة وقتل أم قرفة.
ثم سرية عبد الله بن عتيك في هذا الشهر إلى أبي رافع سلام بن أبي الحقيق النضري بخيبر فقتله ثم سرية عبد الله بن رواحة الأنصاري من بني كعب بن الحارث بن الخزرج إلى أسير بن رزام اليهودي بخيبر فقتله ثم سرية كرز بن جابر الفهري في شوال إلى العرنيين الذين ارتدوا عن الإسلام وقتلوا راعي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، واستاقوا الإبل. وذلك بالموضع المعروف بذي الجدر بناحية قباء قريب من عين على ستة أميال من المدينة، فأتى بهم فسملت أعينهم، وقطعت أيديهم وأرجلهم على ما في هذا الخبر من التنازع بين فقهاء الأمصار في معناه، وفي آية المحاربة وأحكام المحاربين وحدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكشي عن أبي النعمان عارم بن الفضل السدوسي وسليمان بن حرب بن عثم عن حماد بن زيد.
وحدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي قال حدثنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس بن مالك الأنصاري أن قوماً من عكل أو عرينة قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاجتووا المدينة. فأمر لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بلقاح، وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها فانطلقوا فلما صحوا قتلوا رعاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واستاقوا الغنم فبلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الخبر من أول النهار فأرسل في طلبهم، فما ارتفع النهار حتى أتي بهم، فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، وألقوا بالحرة، فيستقون فلا يسقون حتى ماتوا.
وقد روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم إنما سمل أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاة، فجعل السمل قصاصاً، كذلك ذكر يزيد بن زريع عن سليمان التيمي عن أنس بن مالك.
قال المسعودي: والعرينون من ولد عرينة بن نذي ربن قسر بن عبقر بن بجيلة، وبجيلة امرأة سمي ولدها بها وهم بنو أنمار بن أراش بن عمروا بن الغوث أخي الأزد بن الغوث وعند نساب ربيعة ومضراً بني نزار، بجيلة من ولد أنمار بن نزار بن معد، وفي كلب عرينة أخرى، وهي عرينة بن ثور بن كلب بن وبرة والعكليون ولد عكل بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر ثم غزوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الحديبية، خرج للعمرة في ذي القعدة في ألف وستمائة رجل، وساق معه سبعين بدنة، فصده المشركون عن الدخول إلى مكة، فأقام بالحديبية. وهي من مكة على تسعة أميال مما يلي طرف الحرم وفيها كنت بيعة الرضوان تحت الشجرة على الموت، وذلك لما بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عثمان بن عفان إلى أهل مكة يعلمهم أنه لم يأت محارباً، وإنما جاء معتمراً، فاحتبسوا عثمان، واستفاضت الأخبار بقتله، فوقعت البيعة حينئذ.
وخرج إليه سهيل بن عمرو بن عبد شمس من بني عامر بن لؤي بن غالب فصالحه على موادعة عشر سنين على أن ينصرف في تلك السنة، ويأتي في العام المقبل فيخلوا له مكة ثلاثة أيام، فنحر وحلق بالحديبية، وجعلها عمرة وانصرف إلى المدينة، وكان استخلف عليها ابن أم مكتوم، وفي منصرفه عن الحديبية قال لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بغدير خم، «من كنت مولاه فعلي مولاه» وذلك في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة.
وغدير خم يقرب من الماء المعروف بالخرار بناحية الجحفة، وولد علي رضي الله عنه وشيعته يعظمون هذا اليوم وفي هذه السنة أجدب الناس، فاستسقى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في شهر رمضان، وفيها أسلم المغيرة بن شعبة وفيها انكشف شهر براز صاحب أبرويز بن هرمز عن الروم، وظهرت الروم على الفرس، وفيهم نزلت: {الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون}.

.ذكر السنة السابعة من الهجرة:

سنة الاستغلاب، ثم غزوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المحرم خيبر، وهي على ثمانية برد من المدينة في ألف وأربعمائة راجل، والخيل مائتا فرس، فحاربه بعض أهل الحصون، فافتتحها عنوة، وبعضهم جنح إلى الصلح فأجلاهم ثم سألوه أن يقر الأرض في أيديهم على أن يعتملوها ولهم شطر الثمرة فأجابهم إلى ذلك، فكان يبعث عبد الله بن رواحة الأنصاري في كل سنة، فيخرص عليهم، فلما قتل بمؤتة وجه مكانه جبار بن صخر، فكانوا على ذلك إلى أيام عمر بن الخطاب، فأخرجهم من الحجاز لأنه بلغه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال في مرضه الذي مات فيه: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» على ما في هذا الخبر من التنازع بين فقهاء الأمصار في المساقاة واصطفى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من سبي حصن القموص صفية بنت حيي بن أخطب بن النضير، وكانت عند كنانة بن أبي الحقيق فأعتقها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وجعل عتقها صداقها كذلك ذكر عبد العزيز بن صهيب، وثابت البناني، وشعيب بن الحبحاب عن أنس بن مالك على ما في ذلك من التنازع في معنى هذا الخبر، وهل ذلك خاصاً للنبي صلّى الله عليه وسلّم، أم لأمته التأسي به فيه وفي هذه الغزاة قدم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ومن معه، من أرض الحبشة، ومعهم أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب، وكان النجاشي ملك الحبشة زوجها من النبي صلّى الله عليه وسلّم وأدى عنه المهر، وكانت عند عبد الله بن جحش بن رئاب من بني غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة ابن إلياس بن مضر، وكان هاجر إلى أرض الحبشة وهي معه فتنصر، ففارقته.
وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند قوم جعفر: «ما أدري بأيهما أنا أبشر، بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر».
وفي هذه الغزاة سم النبي صلّى الله عليه وسلّم وسلم في ذراع شاة أهدتها له زينب بنت الحارث اليهودية امرأة سلام بن مشكم اليهودي؛ وكانت سألت: أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فقيل لها الذراع، فأكثرت فيها السم، وسمت سائر الشاة ثم جاءت بها فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء ابن معرور الأنصاري من بني سلمة من الخزرج قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلفظها ثم قال: «إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم» ودعا بها فاعترفت، فقال: «ما حملك على ذلك؟» قالت بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت إن كان نبياً فسيخبر، وإن كان ملكاً استرحت منه وقومي، فتجاوز عنها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومات بشر من أكلته التي أكل فقتلها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حينئذ وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في مرضه الذي توفي فيه ودخلت عليه أم بشر ابن البراء تعوده، فقال: «يا أم بشر إن هذا الأوان وجدت انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع ابنك بخيبر»، وكان المسلمون يرون أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد مات شهيداً، مع ما أكرمه الله به من النبوة- كذلك ذكر سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى قال المسعودي: وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب غريب الحديث أنه قال صلّى الله عليه وسلّم: «ما زالت أكلة خيبر تعادّني في كل عام فهذا أوان قطعت أبهري» قال أبو عبيد مفسراً لذلك: تعادّني من العداد وهو الشيء الذي يأتيك لوقت معلوم مثل الحمى الربع والسم الذي يقتل لوقت فإنه يعادّ صاحبه لأيام حتى يأتي وقته الذي يقتل فيه، وأصله من العدد، والأبهر عرق مستبطن الصل، والقلب متصل به، فإذا انقطع لم يكن معه حياة.
ولما سمع أهل فدك بما نال أهل خيبر، ومن صالح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منهم، ومساقاته إياهم بعثوا إليه يسألونه أن يحقن دماءهم ويخلوا له الأموال ففعل فكانت فدك خالصة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب.
وسار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن خيبر إلى وادي القرى، فحصرهم أياماً حتى افتتحها عنوة وكان أهل تيماء أعداء لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ورؤساؤهم آل السموأل ابن عادياء بن حيّا بن رفاعةبن الحارث بن ثعلبة بن كعب بن عمروا مزيقياء بن عامر، والسموأل أحد أوفياء العرب، وهو صاحب الحصن المعروف بالأبلق الفرد، وقد ذكره أعشى بني قيس بن ثعلبة في مديحه لشريح بن السموأل فقال:
بالأبلق الفرد من تيماء منزله ** حصن حصين وجار غير غدار

فلما بلغهم ما نزل بأهل وادي القرى صالحوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أداء الجزية، ورجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة وكان استخلف عليها سباع بن عرفطة الأنصاري واتخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الخاتم في المحرم، ونقش عليه محمد رسول الله، وكاتب الملوك شهر ربيع الأول ونفذت كتبه ورسله إليهم يدعوهم إلى الإسلام، وافتتح كتبه إليهم: ببسم الله الرحمن الرحيم، وكان صلى الله عليه وسلم أولاً يكتب كما تكتب قريش باسم اللهم حتى نزل عليه: {اركبوا فيها باسم الله مجريها}، فكتب بذلك إلى أن نزل عليه: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياماً تدعوا فله الأسماء الحسنى} فكتب: بسم الله الرحمن حتى نزل عليه: {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} فكتب بذلك وقد أتينا على السبب في كتبة قريش باسمك اللهم في أخبار أمية بن أبي الصلت الثقفي من الأخبار المسعوديات المنسوبة إلينا.
فبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى أبرويز بن هرمز ملك فارس، وهو يومئذ بالمدائن من أرض العراق، فمزق كتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكتب إلى باذام عامله على اليمن أن يشخصه إليه فبعث إليه أسوارين في عدة، وهما فيروز بن الديلمي وخرخسرو، وقيل بابويه، وقال تأتوني به، فقدما المدينة على النبي صلّى الله عليه وسلّم فأخبرها أن شيرويه بن أبرويز ملكهم قد قتل أباه في تلك الليلة، فرجعا إلى باذام فأخبراه، فكان الأمر كما ذكر صلّى الله عليه وسلّم فأسلما وأسلم باذام والأبناء بصنعاء، وهم الذي ساروا إلى اليمن مع خرزاد بن نرسي بن جاماسب أخي قباذ بن فيروز الملك.
وكان أنوشروان سمي مرتبته وهرز حين أنفذه مع سيف بن ذي يزن الحميري منجداً له على الحبشة حين غلبت على اليمن، فقتلوا مسروق بن أبرهة الأشرم آخر ملوك الحبشة باليمن وأقاموا بها.
وكان جميع من ملك اليمن من الحبشة أربعة أولهم أرياط، وقيل أبرهة الأشرم ثم أبرهة وهو السائر إلى البيت الحرام بالفيل المذكور في القرآن ثم يكسوم ابنه، ثم مسروق ابنه أيضاً، ومدة ما ملكوا من السنين نيف وسبعون سنة، وكان قطعهم البحر من ساحل الحبشة إلى ساحل اليمن من الموضع المعروف بالمندب وهما جبلان، وهذا الموضع أضيق أعبار هذا البحر، وإنما عرضه نحو من ميل ويتصل به من ساحل اليمن ساحل المخا وهي متصلة بغلافقة ساحل زبيد من أعمال ابن زياد في هذا الوقت ومن الناس من يسمى وهرز الديلمي لأنه ولي مرزبة الديلم والجيل لا أنه كان ديلمياً.
وبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دجية بن خليفة الكلبي وهو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزج والخزج العظم وهو زيد مناة بن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب. إلى هرقل ملك الروم، وعمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي أصحمة بن بحر ملك الحبشة، والعلاء بن الحضرمي إلى المنذر ابن ساوي أحد بني عبد القيس صاحب البحرين، وسليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة، وشجاع بن وهب الأسدي إلى الحرث بن أبي شمر الغساني عامل هرقل ملك الروم على دمشق وأعمالها، وكان ينزل الجولان ومرج الصفّر، وحاطب بن أبي بلتعة اللخمي وقيل العبسي حليف بني أسد بن عبد العزى إلى المقوقس المقرقب النوني بالنون عظيم القبط ببلاد الإسكندرية ومصر، والنون هو قبيل من القبط.
قال المسعودي: وقد أتينا على أخبار هؤلاء الرسل مع من أرسلوا إليه ورسل من كان بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم من الخلفاء والملوك ووفودهم إلى سائر الملوك والأمم إلى هذا الوقت وهو سنة 345 في خلافة المطيع في كتاب فنون المعارف وما جرى في الدهور السوالف وقيل إن بعثة الرسل إلى هؤلاء الملوك كان في السنة السادسة من الهجرة قبل فتحه خيبر ثم سرية عمر بن الخطاب في شعبان إلى الموضع المعروف بتربة وتربة ناحية الغبلاء، على أربع ليال من مكة وقيل خمس، طريق صنعاء ونجران اليمن ثم سرية أبي بكر في هذا الشهر إلى بني كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ابن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار، بناحية ضرية، ثم سرية بشير بن سعد الأنصاري، ثم الخزرجي في هذا الشهر أيضاً إلى بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بفدك، فأصيب أصحابه وارتث في القتلى.
ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي في شهر رمضان إلى الميفعة وراء بطن نخل إلى ناحية النقرة مما يلي نجداً على ثمانية برد من المدينة، وفيها قتل أسامة ابن زيد بن حارثة الرجل الذي قال لا إله إلا الله فلامه النبي صلّى الله عليه وسلّم على قتله فقال إنما قالها احتجاراً فقال: «هلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب؟» فأنزل الله عز وجل في ذلك: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً} ثم سرية بشير بن سعد الأنصاري في شوال إلى يمن وجبار وهما موضعان نحو الجناب والجناب يعارض خيبر ووادي القرى.
ثم خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن المدينة يوم الاثنين لست ليال خلون من ذي القعدة لعمرة القضاء التي كان المشركون صدوه عنها بالحديبية فخرج المشركون عن مكة ودخلها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأقام بها وأصحابه ثلاثاً ثم خرج عنها وعاد إلى المدينة وكان استخلف عليها سباع بن عرفطة، وفيها تزوج ميمونة الهلالية خالة عبد الله بن العباس على ما في هذا الخبر من التنازع بين فقهاء الأمصار وغيرهم ممن تقدم: أنكحها وهو محل أم محرم؟ وهي ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن روبية بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث بن حماطة بن جرش بن حمير وهي العجوز الجرشية أكرم الناس أصهاراً كان لها ثماني بنات ميمونة ولبابة الكبرى ولبابة الصغرى وعصماء وعزة بنات الحارث بن حزن وسلمى وأسماء وسلامة بنات عميس بن معد بن الحارث بن تيم ابن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن معاوية بن زيد بن مالك بن نسر بن وهب الله بن شهران بن عفرس بن أفتل وهم جماعة خثعم بن أنمار على ما في ذلك من التنازع في نسب أنمار ومن ألحقه من نساب النزارية بنزار بن معد بن عدان ومن ألحقه من نساب القحطانية بأراش بن عمرو بن غوث بن نبت بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يعرب بنقحطان.
تزوج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ميمونة على ما وصفنا، وتزوج حمزة بن عبد المطلب سلمى فولدت له أمة الله وقيل أمامة، وتزوج العباس بن عبد المطلب لبابة الكبرى وتكنى أم الفضل فولدت له الفضل لا عقب له وعبد الله أبا الخلفاء من بني العباس وعبيد الله ومعبداً لهما عقب وقثم وعبد الرحمن لا عقب لهما وأم حبيب. ولم يكن أخوة لأم وأب أشرف منهم ولا أبعد قبوراً، مات الفضل بالشأم في طاعون عمواس وعبد الرحمن ومعبد بإفريقية وقثم بسمرقند وعبد الله بالطائف وعبيد الله بالمدينة. وتزوج جعفر بن أبي طالب أسماء فولدت له عبد الله وعوناً ومحمداً ثم تزوجها أبو بكر فولدت له محمداً ثم تزوجها علي بن أبي طالب فولدت له يحيى وعوناً لا عقب لهما، وتزوج الوليد بن المغيرة المخزومي لبابة الصغرى فولدت له خالد بن الوليد وباقي البنات عند أزواج شتى ليس لهم من السابقة في الدين والشرف في النسب ما لهؤلاء.
ثم سرية ابن أبي العوجاء السلمي في ذي الحجة إلى بني السلم، فأصيب أصحابه ونجا مكلوماً ثم سربة عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي في ذي الحجة إلى الغابة فقتل رفاعة ابن زيد الجشمي.
ثم سرية محيصة بن مسعود إلى ناحية فدك.
ثم سرية عبد الله بن أبي حدرد إلى إضم في ذي الحجة أيضاً، وكان فيهم أبو قتادة ومحلم بن جثامة فقتل محلم عامر بن الأضبط الأشجعي لشيء كان بينهما في الجاهلية وقيل بل قتله بعد أن حيان بتحية الإسلام فقيل إن فيه نزل: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا}.